السيد محمد باقر الصدر
21
دروس في علم الأصول
العنان ، وقد تنشأ عن خلو الفعل المباح من أي ملاك . وعليه فإذا اختلطت المباحات بالمحرمات ، ولم يتميز بعضها عن البعض ، لم يؤد ذلك إلى تغير في الأغراض والملاكات والمبادئ للاحكام الواقعية ، فلا المباح بعدم تمييز المكلف له عن الحرام يصبح مبغوضا ، ولا الحرام بعدم تمييزه عن المباح تسقط مبغوضيته ، فالحرام على حرمته واقعا ولا يوجد فيه سوى مبادئ الحرمة ، والمباح على اباحته ولا توجد فيه سوى مبادئ الإباحة ، غير أن المولى في مقام التوجيه للمكلف الذي اختلطت عليه المباحات بالمحرمات بين أمرين : اما ان يرخصه في ارتكاب ما يحتمل اباحته . واما ان يمنعه عن ارتكاب ما يحتمل حرمته ، وواضح ان اهتمامه بالاجتناب عن المحرمات الواقعية يدعوه إلى المنع عن ارتكاب كل ما يحتمل حرمته ، لا لان كل ما يحتمل حرمته فهو مبغوض وذو مفسدة ، بل لضمان الاجتناب عن المحرمات الواقعية الموجودة ضمنها ، فهو منع ظاهري ناشئ من مبغوضية المحرمات الواقعية والحرص على ضمان اجتنابها ، وفي مقابل ذلك أن كانت الإباحة في المباحات الواقعية ذات ملاك لا اقتضائي ، فلن يجد المولى ما يحول دون إصدار المنع المذكور ، وهذا المنع سيشمل الحرام الواقعي والمباح الواقعي أيضا ، إذا كان محتمل الحرمة للمكلف ، وفي حالة شموله للمباح الواقعي لا يكون منافيا لاباحته ، لأنه كما قلنا لم ينشأ عن مبغوضية نفس متعلقه ، بل عن مبغوضية المحرمات الواقعية والحرص على ضمان اجتنابها . واما إذا كانت الإباحة الواقعية ذات ملاك اقتضائي ، فهي تدعو - خلافا للحرمة - إلى الترخيص في كل ما يحتمل اباحته ، لا لان كل ما يحتمل اباحته ففيه ملاك الإباحة ، بل لضمان اطلاق العنان في المباحات الواقعية الموجودة ضمن محتملات الإباحة ، فهو ترخيص ظاهري ناشئ عن الملاك الاقتضائي للمباحثات الواقعية والحرص على تحقيقه . وفي هذه الحالة يزن المولى درجة اهتمامه بمحرماته ومباحاته ، فإن كان الملاك الاقتضائي في الإباحة أقوى واهم رخص في المحتملات ، وهذا الترخيص